الثلاثاء، ١٩ يوليو ٢٠١١

أحمد السيد النجار يكتب في التحرير: استعادة الأموال المنهوبة من الخارج والداخل



في إحدى المؤسسات الصحفية العملاقة صفقة فساد كبرى، تبلغ قيمتها مئات الملايين من الجنيهات، بدأت منذ عشر سنوات تقريبا، وما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن. وتتعلق الصفقة باستيراد سلع من الخارج بأضعاف سعرها، فضلا عن عدم صلاحيتها، وعدم ملاءمتها للاستخدام في المؤسسة الصحفية، وتم الاستيراد عن طريق وكيل لشركة مسجلة في جزر كايمان، وتلك الشركة ليست هي المنتج للسلع المستوردة، بل هي وكيل لشركة عملاقة أخرى، هي المنتج الأصلي. وعند التحقيق في عملية الفساد تلك، حاول المسؤولون في المؤسسة الصحفية أن يحصلوا على بيانات عن الشركة المسجلة في جزر كايمان التابعة لبريطانيا من خلال المؤسسات المالية، لكن دون جدوى أو تعاون من أي جهة بريطانية، بحيث بدت تلك الشركة المسجلة في جزر كايمان وكأنها اللهو الخفي. أما وكيلها المحلي فقد أصيب بالذعر، وكان مستعدا لأي تسوية تبعده عن المحاسبة القانونية، لكنه استأسد بعد تأكده من صعوبة الوصول إلى الشركة المخفية التي يعمل وكيلا لها، التي ربما كانت ملكا للفاسدين المحليين الذين أسسوها في أحد الملاذات الأشهر عالميا للأموال القذرة والمنهوبة من دم الشعوب، وفي أعقاب تلقيه دعما ومساندة من الشركة العالمية المنتجة الأصلية للسلع والمتواطئة معه ومع الشركة المخفية بمقابل بالطبع، وأيضا بعد أن تم تحويل القضية للقضاء الذي اتجه لحفظها في عهد الديكتاتور المخلوع مبارك، وهو ما طعنت عليه المؤسسة وأيدها في ذلك تقرير لأحد كبار القانونيين عن تلك القضية.

ولندع القضية تأخذ مجراها في عهد جديد يريده شعب وثوار مصر، عهد لمكافحة الفساد ولحماية المال العام ومنع نهبه، بما يفرض التوسع في التحقيق في هذه القضية، وربما تجديد الدماء بقضاة جدد، لإدراك وتتبع شبكة خفافيش الظلام المحلية والدولية التي تنهب المال العام وتسهل لعصابات المافيا المالية الدولية، الاستيلاء على جزء من الأموال المنهوبة من مصر وشعبها. لكن الأهم في هذه اللحظة هو إدراك طبيعة مافيا الأموال الدولية حتى نستطيع أن نحدد بصورة موضوعية فرص وسبل استعادة الأموال المخفية في الخارج التي نهبتها قيادات النظام الديكتاتوري الساقط من مصر وشعبها العظيم، التي تتغطى بنظام قذر كلية هو سرية الحسابات الذي ابتدعته الرأسمالية المالية من أجل تغطية واستيعاب وغسل الأموال التي تم تكوينها في الاقتصاد الأسود عموما، وفي القلب منه الفساد ونهب الثروات والأموال العامة.

وتحت يدي كتاب رائع تقوم الأستاذة الدكتورة فاطمة نصر، المسؤولة عن دار سطور الجديدة، بترجمته ويصدر خلال هذا الشهر، عن هذه الملاذات السوداء للتهرب الضريبي ولإخفاء الأموال القذرة، وهو يبحر في هذا العالم الأسود ليعطي صورة حقيقية عن الوجه الإجرامي للرأسمالية الطفيلية العالمية المتحالفة مع أشرار الفساد وضمنهم بالتأكيد عصابة الفاسدين من نظام الديكتاتور المخلوع مبارك.

وإذا كانت استعادة حقوق الشعب المصري المنهوبة، من خلال كل الأصول المحلية العينية والسائلة المملوكة للفاسدين الذين تجرى محاسبتهم لنهبهم المال العام، هي أمر سهل ومرهون بوجود إرادة ثورية حقيقية لدى الحكومة، فيما يتعلق بمكافحة الفساد واسترداد حقوق الشعب، فإن متابعة وتقصي واسترداد الأموال المنهوبة والمهربة للخارج والمخفية عبر أعداد من الوسطاء والشركات الورقية أو الوهمية، هو أمر في غاية الصعوبة إلى درجة تقترب من المستحيل، ببساطة لأن عصابات المؤسسات المالية الأجنبية وبالذات في الدول الوهمية مثل جزر كايمان وغيرها، التي هي عبارة عن مستعمرات لشياطين المال في الغرب، من مصلحتها أن تظل هذه الأموال مخفية، لأنها ستحصل على جزء مهم منها في حالة صمت اللصوص الذين سرقوها صونا لأسرار سرقاتهم، وللإبقاء على أي صورة إيجابية لدى شعوبهم كحكام أو قيادات مخلوعة وليس كلصوص ومصاصي دماء سفهوا قيم الحكم ونهبوا شعوبهم، كما يمكن أن تحصل تلك المؤسسات المالية الغربية اللصة على الغنيمة كلها في حالة وفاة اللصوص المحليين، وعدم وجود ورثة متابعين للثروة المنهوبة.

وتجدر الإشارة إلى أنه في خضم الأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية والعالمية، أكدت مجموعة العشرين في قمتها التي عقدت في أبريل 2009، أن زمن السرية المصرفية قد ولى، لكن لم يتم تحديد إجراءات للقضاء على سرية الحسابات التي تعد الغطاء الأكثر رداءة للأموال المتحصلة من الفساد والاقتصاد الأسود. ورغم إدراك تلك الدول بوضوح لحقيقة أن إنهاء سرية الحسابات في المصارف، سوف يسهل محاصرة غسل الأموال ومكافحة الفساد والنشاطات الاقتصادية غير المشروعة في الاقتصاد الأسود، ويسهل تحديد الثروات وما يستحق عنها من ضرائب للمالية العامة للدولة، فإن مصالح كبار اللصوص والمؤسسات المالية وحتى النخب الحاكمة في الغرب الرأسمالي، منعت الاتفاق على إجراءات محددة ضد الملاذات الضريبية أو في مواجهة الدول التي تصر على سرية الحسابات.

والحقيقة أن ثقافة الرأسمالية التي أطاحت بالنظام الإقطاعي وأسست نظاما رأسماليا تنافسيا يستهدف تحقيق أقصى ربح من خلال العمل والمنافسة والتقشف واستغلال العمال والمستهلكين، قد أخلت مكانها منذ زمن طويل لثقافة احتكارية تمتص دماء المستهلكين وثقافة أكثر دناءة هي ثقافة الربح دون عمل، التي أسهمت في تعملق وتغول الأنشطة الطفيلية وظهور محتالين من مستوى أسطوري مثل برنار مادوف الذي كون شركة مشروعة للسمسرة تعمل بصورة عادية، وأخرى لإدارة المحافظ المالية أو بمعنى آخر لتوظيف الأموال، قام من خلالها بكل أعمال النصب والتحايل والاختلاس. وقد أدت الأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية إلى كشفه بعد أن خسر أموال المودعين لديه وقيمتها 50 مليار دولار، وكان يركز في اصطياد المودعين لديه على الطائفة اليهودية الغنية في الولايات المتحدة وبالذات في نيويورك، وعلى المشاهير في جميع المجالات من السينما والرياضة، ممن يسهل خداعهم. كما شكل صورة عن نفسه باعتباره رجل البر والتقوى والمانح الكبير للأعمال والجمعيات الخيرية والنموذج المنشود للاستقرار العائلي، وكان ذلك غطاء نموذجيا لكل أعمال النصب التي قام بها أو عدة النصب.

وترتيبا على كل ذلك فإنه دون عمليات تقصي احترافية، لن يكون ممكنا الوصول إلى تلك الأموال. كما أنه دون ضغوط قوية حقيقية على لصوص المال العام في مصر من القيادات السياسية والإدارية الفاسدة للنظام الساقط، لإجبارهم على كشف أرصدتهم التي كونوها من نهب مصر وشعبها، فإن استعادة المال المنهوب الموجود بالخارج، لن تكون ممكنة، إلا لو واجهوا محاكمة ثورية وناجزة، قد تصل بالبعض منهم أو غالبيتهم من لصوص المال العام والمسؤولين عن الفساد السياسي القاتل لروح الأمة، والمتورطين في القتل المباشر وإصدار أوامر القتل للثوار، قد تصل بهم للإعدام، مما قد يجعلهم يساومون على إعادة الثروات المنهوبة في الخارج، مقابل البقاء أحياء في السجن مدى الحياة، خصوصا إذا أدركوا أنهم وذريتهم لن يتاح لهم الاستمتاع بتلك الثروة المنهوبة مطلقا.

by Tahrir News on Tuesday, July 19, 2011 at 10:02am

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق